إلعب وحدك تيجي راضي




مزايا العمل الجماعي


هل تذكر ذلك الشعور الجميل عندما كنت تلعب وحدك في طفولتك؟ لا أحد يعترض، لا أحد يقترح طريقة أفضل، ولا أحد يتهمك بأنك "لا تفهم قواعد اللعبة". نعم، كان كل شيء يسير وفق خطتك المثالية، وكنت أنت "البطل" بدون منازع. وهنا يأتي المثل الشعبي "العب وحدك تيجي راضي" ليُذكّرنا بجمال تلك اللحظات.

لكن، للأسف الشديد، الحياة لا تتركنا نلعب وحدنا كثيرًا. بمجرد أن تدخل عالم الوظائف، تجد الإعلان يقول: "العمل ضمن فريق شرط أساسي". وما إن أن تقبل الوظيفة، ستجد نفسك محاطًا بزملاء لا يرحمون: نقد هنا، اقتراح "غبي" هناك، وتقييم لمهاراتك وكأنك في اختبار يومي لشهاداتك!

مزايا العمل الجماعي (أو هكذا يقولون)

المتفائلون سيخبرونك أن العمل الجماعي هو فرصة ذهبية للاستفادة من العقول المتعددة. سيقولون لك: "تخيل؛ نفس المشرع، عقول كثيرة، كل شخص يضيف فكرة، ننجز العمل بسرعة أكبر وأخطاء أقل!". ولكن دعنا نكن صريحين... كم مرة تحولت مداخلات "العقول المتعددة" إلى خلافات وأصوات عالية، ثم انسحاب هذا أو بكاء تلك… أو كلمات نابية خلف الظهر!!  من هو المسؤول عن عدم إرسال البريد الإلكتروني الذي كان يجب إرساله منذ ثلاثة أيام؟ كيف تتجاوزون خطأ كهذا؟ أنت أيضا تجاوزته، فلتحاسب نفسك معنا! ألم نقم بالعمل معا؟ الجدول ناقص! أنا قمت تماما بالمهام المسندة لي! كان باستطاعتك أن تعرف أن الجدول ناقص ولن يتم تسليمه ناقصا!!!

العمل الجماعي يشبه حلبة المصارعة النفسية. لستَ مطالبًا بإنجاز مهامك فقط، بل أيضًا عليك أن تتحمل نظرات التقييم من زملائك: هل كانت فكرتك ذكية بما فيه الكفاية؟ هل قدمت اقتراحًا عبقريًا أم مجرد هراء؟ وتبدأ لعبة الموازنات: كيف يمكنك أن تظهر محترفًا ولكن دون أن تبدو مغرورًا؟ وكيف تتحدث بحماس دون أن تصبح مزعجًا؟ الأمر يحتاج إلى توازن بارع بين إبهار الآخرين والبقاء بعيدًا عن متناول الانتقادات.

ثم تأتي المراجعات الجماعية، وهنا يبدأ الجميع في تقديم ملاحظاتهم التي غالبًا ما تنتهي بعبارة: "لكن هذه فقط ملاحظة بناءة". وكأن الكلمات السلبية التي سبقت هذه العبارة لم تحفر ثقبًا في كبريائك المهني!

العمل ضمن فريق، لا يخلو من التوتر. عليك أن تتعامل مع الأمزجة المتقلبة، والأفكار المتضاربة! ناهيك عن الاجتماعات التي لا تنتهي، والجميع متحمس لإجتماع السابعة صباحا إلا أنت. خاصة ذلك الموظف العبقري المخلص للشركة، وهو ما ندعوه "ابن الشركة". يبدو عادة وكأنه خرج للتو من رحم العبقرية، يثق في رأيه الجميع و دائمًا لديه الحل المناسب، إنه لا يرتكب الأخطاء أبدًا! إنه ذلك السفسطائي الذي يقنع المدير دائما بآراءه وإن كانت مكررة وقديمة. ينسب كل العمل لنفسه مع أنه لم يقم سوى بقراءته وإضافة فاصل. ابن الشركة لديه دائما رأي مخالف، رأيه يجب أن يعبر في مرحلة ما عن انتماءه وخوفه على مصلحة الشركة. يتلقى أعلى أجر، يقوم بمهام صغيرة جدا ولكنه يقنع الجميع بأنها فاصلة. خارج الشركة يتحول إلى صديق حميم وصاحب نكتة خفيف الظل… والأهم أنه يصبح مستمعا رائعا.  

لن ننسى تلك الموظفة صاحبة القلب الطيب. تأتي بالمقبِّلات والحلويات يوميا لأفراد الفريق. لا تجيد أي مهارة، ولكنها تمدح بشدة ما تقوم به أنت… أو غيرك. تطلب منك ببراءة الأطفال أن تساعدها لأنك عبقري، ثم تنبهر بما قمت به، تشكرك بشدة، وتخبرك أنها بدون مساعدتك ما كانت ستفعل شيء… ولكنها لا تخبر أحدا أنك قمت بكل العمل.

لن أتحدث عنهم فردا فردا، ولكنني لا أستطيع تجاوز العبقري الحقيقي. إنه ذلك الموظف الذي يقوم بعمل سبعة أشخاص بمفرده، وفي وقت قياسي. الجميع يعتمدون عليه. كما يجب أن يراجع عمل الجميع ويصلح أخطاءهم، وفي وقت قياسي. هو لا يقول لا! قد يتذمر أمامك لأنه يثق بك، ولكنه لا يقول "لا"، ولا يعرف أحد عن تذمره. هو يتقاضى أجرا زهيدا، لا يتلقى حوافز، ولا يرسله المدير إلى المؤتمرات أو الأحداث المهمة. الأهم من كل ذلك أنه أول من يحاسَب على التأخير أو الأخطاء الجماعية. عندما ترى ذلك، تتمنى لو أنك تلعب وحدك، حيث لا يوجد أحد ليخبرك أن "هناك طريقة أفضل لعمل ذلك"، أو "لماذا لم تفكر في هذا من قبل؟"، ولن تكون يوما في مكان العبقري.

الرضا الفردي

أنا أكره أن أعمل ضمن فريق. أنا لا أحب أن يكون لي زملاء أصلا. أريد أن أعمل وحدي وحبَّذا لو يكونَ عملائي روبوتاتا أو فضائيين، المهم ليسوا بشر. أريد أن أكون رئيسة نفسي، أخطط، أنفذ… ثم أقوم بتقييمٍ ذاتي. وعلى الأغلب، سأكون راضية تماما عن النتيجة.

لماذا كل هذا التحامل على العمل الجماعي؟؟

سأخبرك؛ أعتقد أن المراقبة والنقد من الآخرين يكبِّل قدراتنا وحماسنا وحتى موهبتنا. أنا أعرف أنني إذا لعبت وحدي، فإنَّ أي خطأ سيظل سرًّا، وهكذا فإنني أعمل بحرية، و أجرؤ على التجربة و أجرؤ على الخطأ. حتى وإن كانت النتائج متواضعة، فأنا أعرف ألا أحد سيُلقي اللوم عليّ. بمعنى أنني أتعلم بنفسي دون أن تلحق بتجربتي ذكريات عن سخرية الآخرين وتعاليقهم اللاذعة. 

لكن، دعنا لا ننسى أن الحياة لا تمنحنا هذه الرفاهية دائمًا. ففي معظم الأوقات، نحن مجبرون على اللعب في الفريق... حتى لو كان الفريق يعتقد أن الكرة مربعة! شخصيا عندما تضعني الأقدار في موقف كهذا فإنني أتبع قواعدي لا غير حتى أخرج بأخف الأضرار؛ مهام أقل وتبدو أضخم، لا خلافات، لا وجع رأس، وبعض الضحك. 

قواعد المدام جميلة للعمل الجماعي

قواعدي تحتم أن ألجأ إلى ركن المراقبة في أول اجتماع. أُحدِّد الشخصيات المشاركة ومميزات كلٍّ منها. أفكر في المشروع دون أن أشتت فكري بالمشاركة بالحديث. أقتنص الأفكار العابرة والتي لا يركز معها الآخرون، لأنهم يركزون على إثبات حضورهم أولا. أدون ملاحظاتي عن المراجع المهمة والأفكار الإبداعية وكلّ ما يسهل عليَّ العمل. عندما يُطلب رأيي أكون آنذاك قد جمعت كل الأفكار والمواقف، دّونت ملاحظات، ونظمت طريقة طرحها بألمعيّة واحترافية. 

 أتمحمح … وأتظاهر بالتفكير العميق حتى يسكت الجميع وأتأكد أنهم منتبهون لي. أبدأ بطرح اقتراحات وأفكار بطريقة استراتيجية، أعترف أنني سمعت بعضها من هنا وهناك ولكن ينقصها بعض لمساتٍ من نظام وتخطيط. أما إذا طُلب مني عمل…فإنني لا أجيب بالموافقة أبدا. بل أفكر وأناقش حتى أبدو أكثر رصانةً وخبرة وأنني على وشك إطلاق صاروخ. 

إذا فرض عليَّ رئيسي في العمل مهاما معينة تعارض وجهة رأيي أو طريقة عملي، فإنني أناقشه وأبين له الرأي المخالف، فإن لم يهتم، فإنني أتذكر المثل الشهير" إلي تراه راكب فركة، قل له مبروك الحصان!" يعني إذا رأيت شخصا يركب عصا، قل له مبروك الحصان. ما شأني أنا؟ أنت المسؤول، إن لم ننجح أنت من سيحاسب، وأنت ستخسر الوقت. أما أنا فسأكون هنا كل يوم لأقوم بهذه المهام أو غيرها. وسآخذ راتبي سواء قمتُ بهذا العمل أو غيره.

قد لا تكون أساليبي نزيهة جدا. ولكنني رأيت أنه من العدل أن أتحدث عن نفسي كما حدثتك عن باقي أفراد المجموعة، والبيّن أنني لا أختلف عنهم كثيرا. فأنا أيضا لا يسهل العمل معي، ولست أحسن شخص يريد أي كان أن يكون زميلا له.

 إذًا، في المرة القادمة التي تجلس فيها وسط فريقك لتصميم مشروع ما، تذكر المثل الشعبي: "إلعب وحدك تيجي راضي". وربما… أقول ربما، تخرج بابتسامة ما!

مع تحيات مدام جميلة



                                              Mme jamila

#نقد_ساخر #رأي_عربي


تعليقات