أنا إحدى الأطفال الذين كانوا يصِفونَهم بالأطفال الهادئين المطيعين الذين لا يتسببون في المشاكل. كل الكبار كانوا يحبونني، و يضربون بي المثل للأطفال الآخرين في رصانتي وحسن تصرُّفي. لم يكن أحد يوبخني أو يرفع صوته في وجهي، حتى وإن أخطأت، فخطئي يقابل بتوبيخ هادئ لتصحيح ما اقترفت. حتى أنني اليوم وبعد عقود أذكر المرات المعدودة على أصابع اليد، حين توجه لي أحد الكبار بتوبيخ حاد أو وضعني في موقف محرج. أما عقوبات المدرسين، فهي لا تتجاوز العقوبتين أو الثلاث، على أقصى تقدير. بعد تفكير… هي حقا ثلاث، آخرها عقوبة أمي عندما درست عندها في السنة الخامسة… ولا أنكر أنني استحقَقْتُها بجدارة.
طيلة تلك السنوات حافظت على صورة الطفلة البريئة والمطيعة بدون أي جهد. وهي بصراحة صورة مغلوطة تماما.
في الحقيقة هم لا يعرفون أنني كنت ولا أزال أعيش في عالم موازي لعالمهم هذا، حيث أُحدث مصائب لا تخطر على بال إبليس ولا يعلم بها إلا الله سبحانه. كنت أحب بشدة أن أتحدث عن عالمي بالقلم حتى لا يقاطعني أحد. بصراحة إن الأشخاص الذين لا يحسنون الاستماع ويقاطعون من يتحدث هم كابوس حياتي. لذلك فإن أعظم أحلامي كانت أن أكتب، ثم يصبح لدي كتب عليها اسمي ولديها ركن خاص في المكتبة العمومية. ربما رف أو مجموعة رفوف، عليها لافتة في الأعلى، عليها اسمي. كم سيكون ذلك الركن ممتعا ومحببا، ليس لي، لأنني أعرف أنني سأكون قد مت و تحللت آنذاك، ففي بلادنا لا نهتم لأي شخص مادام حيا (إلا إذا كان ذا نفوذ أو مال طبعا) لكن ذا قلم، أفففف لا أعتقد.
اليوم وبعد مرور سنين كثيرة، بعد تعثري في طرقات الحياة بحفرها و عتباتها، أتذكر ما كنت أحلم به يوما. لم يكن حلمي مستحيلا أبدا، ولا كان شاذا أو مخالفا لعادات وتقاليد المجتمع ولا الدين حتى. لم يكن حلمي سخيفا، ولا كان بعيد المنال. كان حلما سهلا للغاية بالنسبة لي. كنت أستطيع أن أكتب كما شئت، ربما كان بإمكاني نشر كتاباتي في الصحف أو المجلات مجانا. ربما كان بإمكاني جمع كتاباتي وقصصي ورواياتي حتى أعرف كيفية نشرها في كتب يوما ما. ولكن ما آسف له اليوم حقا هو ما كنت أفعله آنذاك.
لقد كنت أنزوي في كل ظهيرة صيفية، عندما يلجأ الجميع للنوم ساعة بعد الغداء، وأكتب. كنت أكتب بكل حرية عن كل خواطري وأفكاري، عن أحلامي وحكاياتي، عن أشخاص أعرفهم جيدا في خيالي. كنت أكتب خطابات طويلة لشخصيات حقيقية… فنانين، أدباء، صحفيين. أُحاورهم وأناقشهم في أعمالهم. أحيانا أعبر لهم عن تأييدي أو اعتراضي، وأحيانا أمازحهم وأحدثهم عن نفسي… طبعا يتغير الخطاب من شخص لآخر. بعد كل ذلك، كنت أتلف الورق على بكرة أبيه. كنت أخشى كثيرا أن يطلع عليه أحد، فيستخف بعقلي، أو يعرف أسراري، أو يحكي عما قرأه لشخص ما. قد ينتبه أحد لإختلافي، ولم أكن أريد أن يلاحظ أحد وجودي على وجه البسيطة. كل ما كنت أريد أن يعرفوه عني هي الصورة التي يحبونها والتي كنت أمثلها بإتقان.
الحق أن ما لم أنتبه إليه إلا متأخرة، هو أننا جميعاً وأنا معكم، نقضي سنوات الطفولة والشباب والتي هي سنوات الطاقة وصفاء الذهن والإبداع.. نقضيها في تحقيق أحلام ورغبات أشخاص آخرين: النجاح في الدراسة، الحصول على وظيفة ذات دخل مرتفع، ثم تحقيق أحلام المدير ...
توقف عن القراءة وفكر قليلا أو كثيرا. لن أنتبه إن توقفت عند هذا الحد من المقال، أنت تعرف! أنا يكفيني أن تصل إلى هذا الحد ثم تتوقف لتفكر في نفسك أنت. هل حدث هذا معك؟ هل يحدث إلى حد اليوم؟ كم صرفت من سنوات عمرك في تحقيق أحلام الآخرين؟ كم شخصا حولك يحقق أحلامه الشخصية عن طريقك؟ كم؟ ثلاث؟ أربع؟ عشر؟ إن كنت لا تزال تتابع سطوري فسأخبرك بالمصيبة الكبرى… أنا اليوم أبث أحلامي في أطفالي ليحققوا بالتالي أحلاماً ليست أحلامهم.
اليوم، بكل وعي أخبرك كم أنا أنانية وحمقاء.
الحقيقة أنني عندما انتبهت من غفوتي في هذه الدائرة المفرغة، أشفقت على طفلاي!! وقررت أن أعتمد على نفسي و أن أعتق صغاري. صحيح أنني متأخرة ولكن تعلمون: مَن اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد.
عدت إلى قلمي راكضة متلهفة، ما حدث أن قصصاً كثيرة ومواضيع شتى كانت رابضة بإنتظار عودتي، لم تكن تجد السبيل إلى وعيي إلا من خلال الأحلام. كلما خلدت إلى النوم كانت تراودني بومضات تنبش وعيي وأحاسيسي. كنت غالبا ما أتذكر ما أراه في أحلامي من حكايات وأشخاص غرباء، فأنفض عن رأسي كل ذلك وأنهض من فراشي مسرعة لألحق الركب. الدنيا تجري، المسؤوليات، العمل، الوقت، المرتب، متطلبات المجتمع، الثياب اللائقة… والقائمة لا تنتهي.
حتى قرر حلمي المكبوت يوما أن يتعسف عليا. قرر أن يستعمل معي أسوا الأساليب وأنجحها، وهو الضغط على نقاط ضعفي. آنذاك رضخت. أمسكت بقلمي وبدأت أكتب ثانية عن اسكليبيو. وهو أول شخصية في أول رواية كتبتها ونشرتها.
إن أردت أن تعرف كيف بدأت كتابتي عن إسكلبيو فذلك تماماً ما حدث. في حلم ما، رأيته في محنته الأولى يلقيه أولئك المتنمرون في منزل مهجور واستيقظت لأقرر أن أبحث له عن مخرج وأحدث معنى لحياته. وأخرجت روايتي الأولى تميمة الحظ لا تعمل للأبد.
كنت أعتقد أن إتمام الرواية و نشرها هو أقصى هدفي، ولكنه ما كان إلا البداية. البداية نحو العودة إلى طريقي الأول الذي أردت المشي فيه منذ صغري. أنا أتعثر كثيرا في هذه الفترة، لا أنكر ذلك. أسقط أحيانا، وأخطِئ كثيرا، ولكنني مدفوعة بحب هذا الطريق رغم وعورته.
إن كنت مثلي فسأخبرك بما سيحدث معك. ستفكر أن هذا هراء، وهو ككل قصص النجاح التي تملأ كتب التنمية الذاتية رأسنا بها، وستقلب الصفحة. ولكن إن حالفك الحظ لن تنسى أنك في مرحلة الأداة، أي أن آخرون يستعملونك لتحقيق أحلامهم. كما أنك لن تنسى أن ما تفعله مع أطفالك أنانية لم تكن تعي بها واليوم أنت تعي لذلك صرت مسؤولا عن تركهم وشأنهم.
لا تكن أنانيا، ان قررت أن تواصل استهلاك حياتك، فلا شأن لك بأحلام وطموحات أطفالك.
هل تسمعني؟ لا تكن أنانيا.
تعليقات
إرسال تعليق
النقاش يبدأ هنا! شاركني رأيك أو موقفك أو أجب عن أي سؤال طرحته. لابأس من الضحك أحيانا ولكن لا تنسَ أن تكون مهذباً!