اليوم هو السابع من أكتوبر 2025.
في الأسبوع الفارط، وبالتحديد يومي الخميس والجمعة (2-3 أكتوبر) كنا نتابع من تونس، ومن العالم العربي ومن جميع أنحاء العالم، عمليات الإعتداء بالاعتقال على أفراد سفن أسطول الصمود. أما اليوم فنحن نتابع عمليات ترحيل هؤلاء المتطوعين إلى بلدانهم، بعد تعرضهم لشتى أنواع الإذلال والانتهاكات الجسدية والمعنوية.
هذا الأسطول الذي يضم أكثر من خمسين قارباً وسفينة من جميع أنحاء العالم محملين بالواجب الإنساني تجاه غزة المحاصرة. مئات المشاركين من 44 دولة لا يطلبون سوى إيصال الغذاء والدواء للفلسطينيين العزل المهجّرين من بيوتهم والمحاصرين في مخيمات. لا أكل، لا دواء، لا ماء، لا ثياب تحميهم البرد أو الحر، ولكن قصف على رؤوسهم العارية وأكفهم المرتفعة للسماء في دعاء لا يمل ولا ييأس. كل هذا أمام أعين العالم بأجمعه. لم يعد هناك ما يحرِّف الإعلام. منصات التواصل الاجتماعي بين يدي كل الناس، ولأي كان أن يرى ويطلع بدون أي وساطة على ما يحدث في فلسطين مباشرة.
الواقع الحالي في فلسطين المحتلّة
أكثر من 68 ألف شهيد بين غزة والضفة الغربية، منهم ما يقارب 19 ألف طفل ورضيع، أكثر من 12 ألف امرأة.
الصور والفيديوهات المنشورة أقسى من أن يحتملها قلبٌ سليم. الأطفال الجائعون يبكون، ويطلبون لقمةً تسدّ جوعًا يمزّق أحشاءهم. وما هو أوجع من ذلك، أنك لا تراهم يطلبون من آبائهم، بل من إخوتهم الأكبر سنًّا، لأنّ آباءهم وأمهاتهم قد استُشهدوا في قصفٍ أهوج.
أقصى ما يعصر قلبي هو رؤية الأطفال يتعذبون، يجوعون ويعطشون ويتشردون. ما ذنبهم؟ ما مآلهم؟ كيف سيفهمون ما يحدث حولهم؟ وكيف سيتحملون الخوف، المرض، الإصابات والعمليات الجراحية بدون مخدر؟
لم أعد أستطيع المشاهدة، ولكنني لا أشيح بنظري عنهم. أدعو لكل طفل وحده. أراقب وأقول "ليتك في حضني يا صغير". ليتني أجوع وتأكل أنت، ليتني وليتني وليتني…
حتى الكتابة عن ألمكم يؤلمني. وكيف للكلمات أن تصف أو تعبر عن الجحيم الذي تعيشونه؟ أي لغة قادرة على ذلك؟
أتساءل أحيانا لماذا أكتب؟ حتى أخفّف ألمهم أو ألمي؟ حتى في الحديث عنهم أحس بالأنانية. ولكنني اليوم كتبت لسبب آخر، كتبت لأنني مصدومة.
الواقع الحالي في منصات التواصل!
كنت أرى أحيانا فيديوهات لبعض المتبجحين الجُهَّل بالقول أن فلسطين والأقصى وحتى الشعب المُحاصر ليس قضيتهم. كما أرى فيديوهاتٍ أخرى لمن يعارضونهم ويعايرونهم بقلة مروءتهم ووو…
كنت أفكر أنا القسم الأعظم من الشعب العربي يعيش نفس انشغالي وألمي بفلسطين، ذلك أنني أرى محتويات منصات التواصل لا تخلو من التنديد والإدانة والاستنكار…
ولكن اليوم عرفت أنها ترندات.
الواقع الحالي في الحقيقة
لأن هذه الكلمة (ترند) في حدِّ ذاتها دخيلةٌ ومربوطةٌ بالعصرِ الحالي، ومن المتوقَّعِ اختفاؤُها بعدَ سنواتٍ معدودة، فسأكتبُ تفسيرًا بسيطًا لعلَّك تقرأُ مقالي بعدَ زوالِها:
فـ"الترند" هو ببساطة الموضوع الرائج، موضوعٌ ينتشر بسرعةٍ كالنارِ في الهشيم، فيتسابقُ البعضُ لاستعمالِه أو التحدثِ فيه طمعًا في الصعودِ السريعِ في نسبِ المشاهداتِ ونيلِ جزءٍ من بريقِ الشهرةِ العابر.
ولتتأكد من ذلك، ما عليك سوى الاطلاع على "جوجل ترند"، اختر أي بلد عربي ثم تفرج.
نتائج المباريات ومواعيدها اليوم، أخبار الفنانين والمشاهير، "ذو فويس"، ملكة جمال لبنان، هبة قطب، أسعار الذّهب وأخبار البزنس،أخبار السياسة في فرنسا (بالنسبة للبلدان المغاربية)، توقعات الأبراج…
ماذا سأقول الآن؟
لا جدوى من أي كلمة إضافية.
فقط سأقول أنني لا أشكك في نوايا المتطوعين في قافلة الصمود وفي أسطول الصمود. يكفي أنهم واجهوا عدوًّا لم يجرؤ على مجابهته قُوّاد العالم. لعلكم تنجحون يوما ما. صحيح أنكم قلة ولكن الكثرة ماهي إلا أمارة على الضلال.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" ( الأنعام 116)
مع تحيات المدام جميلة.

تعليقات
إرسال تعليق
النقاش يبدأ هنا! شاركني رأيك أو موقفك أو أجب عن أي سؤال طرحته. لابأس من الضحك أحيانا ولكن لا تنسَ أن تكون مهذباً!