للأشرار فقط







للأشرار فقط  Blog Mme Jamila

الطقس اليوم حار جداً، وأعتقد أن درجة الحرارة تتجاوز بمراحل ما تم الإعلان عنه في النشرة الجوية. خاصة أنني أسكن مدينة عدد السيارات فيها أكثر من عدد القطط والكلاب وحتى الصراصير مجتمعة. هل جربت مرة أن تتوقف بسيارتك بدون أن توقف المحرك، ثم تترجل و تقف أمام المحرك؟. ستعرف آنذاك ماتفعله جموع السيارات والشاحنات والدرجات النارية و التي تنطلق في وقت الذروة لتصل بكلٍ منا إلى وجهته، إنها ببساطة تصنع صيفا في مدننا، صيف لا علاقة له بالطبيعة و لا بكوكب الأرض. وستعرف الإجابة الصحيحة والمقنعة للسؤال الذي نطرحه على بعضنا كلما أرهقتنا الحرارة في أشهر الصيف المضنية: كيف كان أجدادنا يعيشون بدون مكيفات وبدون ثلاجات؟  

لا تقل انك تنتظر مني أن أجيبك! 

يقال أنه عندما يتحدث الشخص الذي أمامك عن الطقس فهذا يعني أنه يشعر بالملل، أو على الأقل، لا يشعر معك بالراحة ليتحدث على طبيعته. قالها لي أحد الأصدقاء في الكلية، ليس لأنني تحدثت عن الطقس أمامه، أبداً، بل لأنه هو فعل ذلك أمامي، وختم قوله أنه يشعر بالحرج. 

منذ تلك المحادثة بيني وبينه، لم يمر ذكر الطقس أمامي بدون أن أذكر ذلك التفسير. أحياناً كنت أجده تفسيراً منطقيا، وأحياناً قليلة جداً لم يكن يفسر موقف الشخص ولا له علاقة بما يشعر به آنذاك. أقول هذا من منطلق معرفتي ببعض الأشخاص المقربين، ومعرفتي بنفسي. ولأن معرفتي هذه نسبية ولا أساس علمي جازم لصحتها فإن كل تجاربي مع هذه المقولة لا تستطيع أن تأتي بخلاصة اكيدة واحدة. 

فنحن البشر، كثيراً ما ننتبه في لحظات ومواقف في حياتنا اننا لا نعرف هذا الشخص أو ذاك تمام المعرفة (أو إلى الحد الذي كنا نعتقده) وأحيانا نكتشف أننا لا نعرف أنفسنا ذاتها! كم مرة حدث هذا معك؟ لا اتحدث عن كونك لا تعرف الناس من حولك، ولا تحدثني أرجوك كم من مرة اعتقدت أن الناس طيبون وفوجئت بأنهم أشرار و ظلموك. آسفة لا أحب الضحايا. فقط أخبرني كم من مرة اكتشفت أنك لا تعرف نفسك. مرة ؟ مرتان؟ عشرة؟ كل مرة هي خطوة ثابتة لنقض الغرور وتثبيت الصدق بينك وبين نفسك الحقيقية. 


كلُّنا طيِّبون…

كثيرون منا يعتقدون صدقا وليس تصنعا، أنهم أذكياء، طيبون، نواياهم سليمة، غير محظوظين، مظلومون، وأنهم سيحاسبون حسابا لينا يوم الحساب. لماذا؟ لأنهم طيبون. 

لماذا شتمت ذلك الرجل مثلاً؟ لأنه يقود بكل بطء ويعطل سير الطريق...

لماذا تحايلت على مديرك لتغادر باكراً؟ لأنه لن يسمح لي لو قلت الحقيقة...

لماذا قلت "سأتصل بك لاحقا" ولم تكن نيتك سوى التخلص من المكالمة؟ لأنني لا أريد أن أحرجه بأنني لا اهتم أو أنني لا أريد الحديث الآن...

لماذا تخون؟ لأن شريكي مقصر، ولا يهتم بي...

لماذا ضربت طفلك؟ هكذا تربينا وعلمنا آباؤنا، يجب أن تضربه ليصبح رجلاً صلبا...

لماذا تقسو عليها؟ لا أقصد! لقد أثارت غضبي... 


لكن هل نحن حقا ضحايا؟

هناك دائماً إجابة نرفع بها ثقل الذنب ونلقيه على ظهور الآخرين. المشكل لا يكمن في أننا نقوم بذلك للدفاع عن أنفسنا فقط، بل الأعظم اننا نفعل ذلك بكل قناعة اننا حقا مظلومون، اننا ضحية، وأن شخصاً آخر كان السبب في أننا نحن نقوم بتصرفات خاطئة ونقترف الذنوب. ولأننا ضحية ولأن الله يعرف فسوف يسامحنا. 

توقف عن القراءة قليلاً. فكر، هل تفعل ذلك؟ استرجع أحداث هذا الأسبوع. خذ كل الوقت لتتذكر التفاصيل. 

كم مرة فعلت ذلك؟ 

كم مرة أخطأت و ألقيت اللوم على غيرك؟ 

ولا مرة؟!!!! أنت حقا شخص طيب ولا تحتاج لأن تقرأ لي. أنا اكتب للأشرار عادةً.


نحن نولد طيبين

أنا لا أشاطر مبدأ أن الإنسان شرير بطبعه. بالعكس أؤمن حقاً اننا نولد طيبين، وأن الشر نتعلمه من والدينا أولاً، ثم من اخوتنا ثم بقية العائلة والأصدقاء والمجتمع من حولنا. نتعلم منهم بالأذية أو بالمثال. يعني إما نتعرض للأذية أو أن نراهم يقومون بأذية غيرهم ثم يبررون ذلك بأن الطرف الآخر هو السبب وأنه يستحق. 

طبعا هناك من يمر بإحدى هذه المراحل أو بعضها بدون أن يتأذى ( وأقصد بالأذية الآن أن يتعلم الشر ويحتفظ به داخله) ولكن أن يمر شخص ما بكل هذه المراحل ويتعامل مع كل هؤلاء الأفراد في محيطه بدون أذية، فهذا ما لا أمل لأي منا أن يعيشه. لذلك فإن كل منا قد تعلم ولابد الشر من أشخاص ما ومن تجارب ما. ولكن هل يعني هذا أن ذمتنا خالية من المسؤولية؟  طبعا لا! 


ما معنى أننا مسؤولون؟ 

كل انسان تعرض لمواقف سيئة تأذى فيها أو تعلم منها أن يكون شريرا وأن يتصرف بقسوة مع الطرف المقابل، هو في الحقيقة يتعرض أيضا وبنفس الوتيرة أحيانا لعكس هذه المواقف. يعني أن كل منا قابل أشخاصا أخيارًا في حياته، ورآى منهم حسن النوايا وطبطب بعضهم على كتفه وأخبره ألا يقابل السوء بمثله. كل منا قابل على الأقل مرة في حياته شخصا أنقذه في موقف صعب، وشخصا واساه في محنة، وشخصا أخذ بخاطره، وشخصا تجاوز عن خطئه، وشخصا سامحه، وشخصا ساعده بدون أن ينتظر مقابلا… 

هل أذكِّرك؟ فلا بد أن تكون قد عشت مواقف مماثلة: ألم يسامحك تاجر في بقية ثمن مشترياتٍ عندما وجدتَ نقودك ناقصة؟ ألم يصفْ لك أحدٌ الطريق نحو عنوانٍ ما تبحث عنه؟ ألم يتركْ لك أحدُ السائقين المجالَ لتمرَّ رغم اكتظاظ الطريق؟ ألم يتركْ لك أحدُهم دورَه في الصف لأن مشترياتك قليلة؟ ألم يأتِكَ أحدُ زملائك في العمل بشيءٍ لذيذ وكنتَ في أمسِّ الحاجة إليه؟ ألم يُغَطِّ أحدُهم على غيابك؟ ألم يدعُكَ أحدُهم لشرب قهوة؟ … دعنا من كلِّ هؤلاء، ماذا عن أفراد عائلتك؟

الآن أين هذه التجارب؟ هل مصيرها الركن على أرفف مُغْبرَّة؟ طبعا! فهي تذكرنا بدناءتنا وخطيئتنا، ونبرر ذلك بأن الطيبة في زمننا هذا ماهي إلا غباء و حمق و ضعف شخصية، إلا في حالة واحدة: إذا صدرت من الآخرين نحونا. في هذه الحالة فهؤلاء سخرهم لنا الله لأننا في داخلنا نبلاء.


العقل أساس الحرية

أنا شخص لا أعذر من تعرض أو تعلم الأذية في صغره فمارسها في كبره. وسأخبرك طبعا لماذا.

لأننا جميعا نكبر ونتعلم ونعيش في مجتمعات تعج بالناس والتجارب والاختبارات. ندرس، نعمل، نصادق الآخرين، نحب، ننجب… وفي كل مرحلة نتغير. تتغير شخصياتنا باختلاف الدور الذي نختبره. فكيف بعد كل هذه السنين يجرؤ هذا الشخص أن يبقى أسير تلك التجربة ؟ أو هو يجبُن أن يخرج منها ليواجهه نفسه بصدق؟ تكفي لحظة صدق واحدة أن تفتح أمامه أبواب الحقيقة، حقيقته هو، بخيرها وشرِّها وخطيئتها. هي لحظة شجاعة وصدق واحدة يعرف بها في أي مرحلة هو عالق، وإلى أي مدى يعيش في دور الضحية. 

قرار التحرر سيأتي بكل تلقائية إثر ذلك. 


Blog Madame Jamila


تعليقات