أنا مدام جميلة

 



عزيزي القارئ في البداية، أرحب بك.👏

 أنا مدام جميلة. والحقيقة أنني لست بقدر جمال هذا الإسم. لذلك سأصارحك بأنه ليس اسمي الحقيقي، ولكن لتعرفني بإسم فلنتفق على إسم جميلة. 

لم أطلقت على نفسي هذا الاسم ؟ 

مضطرة أن اطلب منك عزيزي القارئ ألا تهتم، وأن تكتفي بما ستقرأ (إن أعجبك أن تقرأ طبعا) ولا علاقة لك باسمي لأنه لن يفرق معك في شيء! 

أردت أن أكتب عن أشياء كثيرة متفرقة عن مجتمعنا الجميل، عن تصرفاتنا، نسائنا ورجالنا، عن أمهاتنا وآبائنا، عن زملائنا و رؤسائنا في العمل... وأعتقد أن القائمة تطول، لذلك سأترك لك أن تكتشف بنفسك عما سأكتب لاحقا. 

قد تُشاطرني بعض الأراء والمواقف وقد تختلف معي، فلا تكتف بذلك، بل علق على ما أكتب لأنك إن لم تعبر عن رأيك فلن يكون له وجود. والتاريخ لا يذكر الجبناء.

قبل أن نبدأ الحديث عن كل المذكورين أعلاه، سأستهلُّ بالحديث عن نفسي، ولأنك لا تعرفني شخصيا فأنا لا أخشى أي صورة ستحتفظ بها عني في رأسك، وسأكون شفافة تماما.

أنا من مواليد 1983، يعني أني لا زلت في عز الشباب. لا داعي أن تحاول طرح هذا العدد من ذاك، سنة 2025 سأكون في سن الثلاثين !

حسب رأيي فإنني أنتمي إلى طراز معين من الناس، أولئك الذين أدعوهم بالساهين. أعني الذين تجدهم دائما شاردي الذهن، غافلين عن الوقت وعن كل ما يحدث حولهم، لذلك تجدهم كثيري النسيان، لا لشيئ، فقط ، لأن بعض الأشياء لا تدخل رؤوسهم حتى يتذكروها لاحقا. 

فلنبدأ من البداية. أنا إنسانة لاعلاقة لها بالوقت، ولا بالساعات الحائطية أو اليدوية أو ما يشابهها. بالنسبة لي هي مجرد اكسسوارات… أو ديكور. أي أنني تلك التي تضرب لها موعدا في العاشرة، فإذا انتظرتني نصف ساعة إضافية ثم هاتفتني سأجيبك هكذا:

- أهلا عزيزي كيف حالك؟ هه؟ هل وصلت! اممم لن أتأخر! فقط سآخذ حماما سريعا وأطبخ شيئا لابنتي لأنها تعود من المدرسة بعد ساعة… أو ربما اثنتين؟ دعني أتصل بزوجي وأسأله إن كانت تعود للفطور اليوم. اسمع إن كنت لا تريد الانتظار فاذهب إلى مركز المبيعات خلف المقهى تماما، لقد بدأ موسم التخفيضات، أو لا ..انتظرني سنتسوق معا.

في العادة فإن أفراد العائلة وأصدقائي الذين لم يتخلوا عني بعد، يتصلون قبل الموعد بساعتين أو أكثر. هكذا يتابعون تحضيراتي للخروج. هؤلاء يهتمون لأمري ويحبونني حقا. إنهم يفهمون نظرتي للموضوع. 

ماهي نظرتي؟ سأوضح لك.

ببساطة إن أولئك الذين قرروا أن يتركوا كل الحياة وأحداثها ومشاكلها كي يخترعوا أداة لقيس زمن دوران الأرض حول نفسها، ثم تقسيم هذا الوقت إلى ساعات، وتقسيم هذه الساعات إلى دقائق و..و..و… حتى يصلوا في النهاية إلى ضبط حياة مجتمعات وحضارات بأكملها على مواعيد دوران تلك العقارب البغيضة، هؤلاء لم يسألوني رأيي في الموضوع! 

منذ ولدت والكل حولي يفرض عليّ ساعة النوم، وساعة الأكل، وساعة اللعب، وساعة الخروج، وساعة العودة، وحتى ساعة الكلام والسكوت. 

ما شأني أنا إن أردتم أنتم الرضوخ إلى قانون وضعه أشخاص في غابر الأزمان؟ مالذي يلزمني أن أتبعه بحذافيره طيلة حياتي التي أتت بعد آلاف السنين من موتهم وتحلُّلِهم؟ ما شأني؟ حقا لا أهتم إن استيقظت يوما فلم أعرف في أي يوم أو شهر نحن، أو كم الساعة، أو حتى إن قضيت طيلة اليوم والأسبوع والسنة لا ألقي إلى السّاعة ببال. ملخص القول؛ ليس الوقت شيئا يشد اهتمامي

قد تسألني؛ ما يشد اهتمامي إذن؟ 

سأجيبك؛ إنهم الناس حولي. نعم أحب الإنتباه لأحوال الناس حولي، أحدق في شرود لما يفعلونه، وأسمع أخبارهم من هنا وهناك. أستطيع أن أكون شيخة قبيلة بامتياز، فأنا أعرف عن كل من حولي كل شيء؛ عن حياتهم وعائلاتهم… أزواجهم وزوجاتهم، أمهاتهم واخوتهم المقيمين في مدن وبلدان أخرى، أشغالهم… دراستهم، وأحيانا عشائهم ومشاريعها المستقبلية أيضا.

لنكن واضحين… أنا لا أبحث خلف أحد. أنا فقط أحضر كل المناسبات الاجتماعية والعائلية العادية والاستثنائية. صحيح أني أتأخر في الوصول ولكنني أتأخر في المغادرة أيضا. أتدخل في شؤون الجميع، وأطرح الأسئلة على الجميع. قد لا أستمع إلى إجاباتهم كاملة لأنني أشرد عادة إذا سمعت أي حوار آخر بين أشخاص آخرين (بغض النظر عن أهميته من عدمها) فإنني أترك محدثي يجيب أو يسكت أو يتكلم إلى نفسه، وألتفت إلى الآخرين. عامة ألتقط معظم الأخبار والحكايات. وعندما يغادر الجميع أعرف أن الوقت قد حان لأغادر أنا أيضا، فأكمل تجاذب بعض الحكايات النقاشات التي أبدي فيها رأيي، فلا يأخذه أحد بعين الاعتبار، ثم أعقد العزم و أغادر. 

قد تتساءل لماذا يتحدث لي من حولي إن كنت حشرية ولا رأي صالحا لدي، سأجيبك بأن لدي حضور. 

نعم، لا تسخر! إن لدي حضور. أنا أجلس في منتصف الغرفة وأتحدث بصوت عال. ليس كل ذلك عن عمد! إنه طبعي العادي. كما أتحدث مع أي كان… في أي موضوع كان. حتى وإن لم أفقه فيه شيء. أنا على كل حال لا أتعصّب لرأي، يكفي أن يبدي رأيه ويندمج في تفسيره، حتى أشرد منه إلى آخرين. وهكذا حتى أعود لبيتي بنية أن أغسل وجهي جيدا من مساحيق الزينة، وأن أضع بعض الكريمات المضادة للتجاعيد، فأنسى. ثم أطلب من زوجي أن يوقضني لأذهب للعمل باكرا، فيبتسم ساخرا و يجيب أنه سيفعل. 

حسنا كان ذلك منذ زمن، لقد تخليت عن الوظيفة منذ سنوات. أنا لا أستطيع العمل تحت رؤساء. ولا أستطيع أن أحضر وألتزِم بتوقيت إداري. أحيانا تتبادر إلى ذهني فكرة مشروع ما. فأنفِّذُها على الفور، يدعمني بعض الأهل والأصدقاء لمدة أسابيع أو شهور، ثم يتخلون عني. آنذاك أكتشف أني أصرف نقود زوجي على مشروع يدر ملاليم معدودة، فَأتخلى عنه. 

مِن هنا تستطيع أن تفهم علاقتي مع النقود. أي نعم، تماما كما في ذهنك. أنا أصرف ما في الجيب حتى يأتي ما في الغيب. إذا احتجت شيئا أو رغبت فيه، أفتح حقيبتي ببساطة وسلاسة، وأشتريه. فإذا لم أجد مالا في حقيبتي، لجأت إلى حبيبتي البطاقة البنكية. هذا لا يعني أني أصرف المال بجنون، لا أبدا. أنا فقط أصرِف بغير حساب. آمل أنك تعرف الفرق بين الاثنين. أحيانا يواجهني زوجي برصيدنا الهزيل في البنك، وبأننا بعد كل هذه السنوات لم نوفر دينارا واحدا، فأستمع إليه برهة وأجيبه بأننا لا نحتاج إلى توفير. ثم لماذا يعطيني بطاقة بنكية إن لم يكن ليَ الحق في سحب النقود متى احتجت (أو شئت)، وأخيرا أخبره بأنه ذلّني بما فيه الكفاية، وبأنني سأعود للعمل لأُريحه من مسؤوليتي. فيغتاظُ و يحنَق ثم يتركني لحالي أحضٌِر قهوتي و أستمتع بالهاتف وأخبار الأنستقرام.

ليس هذا كل شيء. الحقيقة كنت أنوي أن أحكي لك الكثير حتى تعرفني أكثر قبل أن تقرر أن تقرأ لي أو لا، غير أني شردت. شردت عشرات المرات وأنا أكتب هذه السطور، ونسيت ما كنت سأكتب. كان يجب أن أخط مسودة قبل الكتابة! 

لا بأس، سأفعل في المقال المقبل إن شاءالله. وحتى إن لم أفعل، فأنت ستعرفني أكثر من خلال مقالاتي. وأنا سأعرفك أكثر من خلال تعاليقك.




تعليقات